الفصل العاشر

الأقوال الخاطئة في الله

 

1 - كيف تُقسم الأقوال الخاطئة في الله؟

* تقسم إلى ثلاثة أقسام :

(1) الاعتقاد الكفري.

(2) الاعتقاد بآلهة كثيرة، وهو الشِّرْك.

(3) الاعتقاد بألوهيَّة الكون (أو وحدة الوجود) وهو نوعان: (أ) القول بحلول الله في العالم واتحاده به. (ب) القول بوحدة الوجود، فالعالم بجملته هو الله!

2 - ما عدد الأقوال الكفرية المشهورة في شأن الله، وما هي؟

* هي أربعة :

(1) قول الملحدين الذين ينكرون وجود إلهٍ على الإطلاق.

(2) قول الذين يسلّمون بوجود الله وينكرون عنايته بالعالم، ويمكن أن يُسمَّوا «الطبيعيين».

(3) قول الذين يعتبرون كل الحقائق سواء كانت عقلية أو مادية صوراً وهمية فقط مرسومة في العقل، وقد سُمّوا «العناديين».

(4) قول الذين يعتبرون المادة مركز كل قوة حيَّة جسدية كانت أم عقلية، ويسمون «الماديين».

3 - ماذا تقول في الاعتقاد بعدم وجود إله؟

* بما أنه ينكر وجود الله تماماً، ويكذّب كل ما يعتقده الناس فيه، فهو باطل وسلبي محض، وجوابنا عليه يتم بإثبات وجود الله. وكثيراً ما وقع الجدال والبحث في شأنه، والأغلب أن صاحبه قد أمات ضميره، وكذَّب طبيعته الأخلاقية، وأجبر عقله على قبوله. غير أن تلك الحالة ليست طبيعية في الإنسان، بل هي مثل لَيّ القوس بالقوة. فمتى رُفعت تلك القوة رجعت القوس لاستقامتها. هكذا الطبيعة البشرية المُجبَرة على إنكار وجود الله متى تُركت لنفسها عادت لما كانت عليه. وحتى لو أن النفس أنكرت وجود الله فإنها لا تتحرر مطلقاً من مسؤوليتها لله، لأن الإنسان لا يقدر أن يحرر نفسه من الشريعة الأخلاقية. كل ما يقدر عليه الإنسان هو أنه يقهر الشعور الطبيعي بوجوده، ويبطل الإيمان به إلى حينٍ، بالتوغُّل في الفلسفة الكاذبة.

4 - ما هو قول الذين يسلّمون بوجود الله وينكرون عنايته بالعالم؟

* قالوا إن الله موجود وقد خلق الكون، لكنه بعيد عنا لا يتسلط علينا ولا يبالي بنا ولا بالكون، فلا يدبر أمور البشر، وبالتالي ليس لنا إعلان منه. وهو لا يعمل بواسطة الروح القدس والعناية، فيصحّ تسميتهم بالطبيعيين. وهذا الرأي سُمّي بالإنجليزية «دييزم» اشتهر بين ملحدي الإنجليز في آخر القرنين 16، 17، ثم انتقل من إنجلترا إلى فرنسا حيث اشتهر به فولتير، ثم إلى ألمانيا حيث امتد بين كثيرين (انظر فصل 3 س 12).

5 - بيِّن فساد مذهب الذين يسلمون بوجود الله وينكرون عنايته بأمور العالم؟

* انقسم أصحاب هذا المذهب لطوائف شتى، فمنهم من اعتبر المادة الفاعل العظيم في الكون، ومنهم من قال إن العقل هو المرشد العظيم الوحيد وأصل كل حق ديني وأخلاقي، وهم القسم الأكبر. وقالوا إن نور الطبيعة كافٍ ليرشد البشر، فلا حاجة للوحي، وإن عقل الإنسان يدرّبه في الأمور الأخلاقية والدينية، فلا حاجة لأوامر وتنبيهات وتنظيمات دينية من الله. ولهذا اعترضوا على المعجزات، والنبوَّة، وبعض تعاليم المسيحية، وعلى قانونية الأسفار الإلهية، واجتهدوا ليبيّنوا وجود أخطاء في الكتاب المقدس.

ويتضح خطأ هذا القول بإقامة الدليل على حقيقية العمل الإلهي. فالعقل السليم ينفر من هذا المذهب لثقله على الأذهان البشرية، لأنه يهمنا جداً أن نتحقق وجود الله، وأنه لم يهملنا ولا ابتعد عنا، بل يعتني على الدوام بأمور العالم، خاصةً أمور البشر بكل طريقة لخيرنا وخلاصنا. وفي النظر لهذا الموضوع نبحث عن ثلاث مسائل:

    (1) هل تدخُّل الله فعلاً في أمور العالم مما يصدقه العقل السليم؟

قال البعض إن تدخُّله يُهين شأنه كخالق، لأنه يعني عدم كمال عمله الأصلي، وأن الطبيعة مثل آلة ميكانيكية تحتاج للإصلاح على الدوام.

فنجيب: لو قصد الله أصلاً أن يرتب الكون بطريقة تستغني عن عنايته ولم ينجح، لصحّ ذلك. ولكن لا دليل عندنا على أن الله قصد أن يترك الطبيعة تركاً تاماً منذ خلق الموجودات، ولا على أن يترك الإنسان لنفسه ليهلك بدون معين. أما إمكانية ذلك التدخُّل فتظهر من أن الله خلق الإنسان قادراً على أن يتصرف في أمور الطبيعة، وقد تصرف بالفعل باختراعاته العديدة حتى نزل على سطح القمر! وإذا كان الله قد خوَّل الإنسان تلك القدرة بحسب معرفته وحكمته العقلية، فهل يحرم نفسه من استعمالها؟ ألا يُنتظر طبعاً أن السلطان الذي وهبه الله للبشر لدرجة محدودة، يمارسه هو لدرجة غير محدودة؟

ونقول أيضاً إنه لما كانت الطبيعة لأجل الإنسان، وهو رأسها وإكليل المخلوقات، لزم أن الله لا يتركه مستعبَداً لها، وأن يحفظ لذاته حق التصرف لأجل خير الإنسان وترقية شأنه. فلو صحَّ قول المعترض لكانت علاقة الله بالخليقة كعلاقة الإنسان بآلة بخارية اخترعها وركبها، ولم يُبْقِِ لنفسه سلطة التحكُّم فيها. فإذا تحركت لا يقدر أن يوقفها، وإذا توقفت يعجز عن أن يحرّكها. فتكون هي المتسلطة على الإنسان، لا الإنسان المتسلط على صنعة يده!

وأما من جهة قدرة الله على ذلك التدخل، فنقول إن الذي خلق الطبيعة قادر أن يديرها بكلمة منه، لأن الذي عمل أعظم العجائب يقدر على أصغرها. فإذا تعذّر عليه ذلك فإننا نشكّ في قدرته على الخلق.

(2) هل حدث ذلك التدخل حقيقة؟

نجيب على هذا السؤال بأسئلة أخرى، وهي: ما هو مصدر الكتاب المقدس؟ ومن هو المسيح؟ ومن أين أتى؟ وكيف نقدر أن نحصل على معلومات عن أعماله وتعاليمه بمجرد وسائط أخلاقية روحية؟ ومن أين جاءت الديانة والكنيسة المسيحية؟ وكيف قُبلت معجزات المسيح ورسله وامتدت ديانته بالرغم من كل الموانع في القرون الأولى بعد حياته؟ وكيف تمَّت فيه وفي أعماله كل تلك النبوات والرموز التي تشير إليه في العهد القديم؟ وكيف قام من الأموات على ما تبرهن ذلك ببراهين لم تتزعزع مطلقاً، رغم كل محاولات المعترضين أن يبطلوها؟ وكيف نفهم تاريخ بني إسرائيل بدءاً من دعوة إبراهيم لمجيء المسيح، ثم على هيئتها الممتازة منذ عصر المسيح إلى الآن، رغم تشتتها في كل البلدان طبقاً للنبوات الصريحة؟ فمن يجيب على هذه الأسئلة بالحق يقتنع أن تدخل الله في أمور البشر أمر لا شك فيه.

(3) ما هو المقصود من ذلك التدخل، وما هي نتائجه؟

نجيب: قَصَد الله به إتمام عمله العظيم في ترقية البشر في الأخلاق ونموه في كل الفضائل استعداداً للحياة الأبدية. ولتتميم هذه الغاية أرسل ابنه الحبيب، وأنزل الوحي، ولا يزال يعمل بالروح القدس في تجديدنا وتنويرنا وتقديسنا. فهدف ذلك التدخل إذاً هو مَنْح البشر معرفته الخلاصية، وترقيتنا في الفضائل الأخلاقية الروحية، إلى أن نقترب لصورة المسيح الإنسان الكامل، وننال به الحياة الأبدية.

6 - ما هو الرد على الذين يعتبرون كل الحقائق، سواء كانت عقلية أم مادية، مجرد أوهام في العقل؟

* قالوا إن العالم المادي غير موجود، وإن كل ما نراه أو نشعر به صورة وهمية في عقولنا فقط. ولو صدق كلامهم فلا يكون هناك وجود حقيقي لا للأرض ولا للسماء، ولا للإنسان، ولا لله. وهذا القول يخالف حكم العقل السليم، إذ كيف اتفقت عقول البشر جميعاً على أوهام.

7 - ما هو الرد على الذين اعتبروا المادة مركز كل قوة حية، سواء كانت جسدية أم عقلية؟

* الحقائق نوعان ممتازان هما: الروحي والمادي، أي ما يختص بالعقل والشعور الداخلي والعواطف، والمادي هو خارج عن دائرة العقليات مثل المادة والطبيعة. ونعرف النوع الأول بالشعور، ونعرف الثاني بحواسنا الجسدية. الأول خاص بالنفس، والثاني خاص بالطبيعة المادية. وهذا المذهب لا يميِّز بين النوعين المذكورين، بل ينسب ما يختص بالعقل أو الروح للمادة، ويؤمن أتباعه بوجود الطبيعة المادية دون الروحية العقلية، وينسبون كل الحقائق الروحية من عقلٍ وحس وضمير وإرادة لأصل مادي. ولا ينكر أحد وجود العالم المادي لأنه ظاهر، وهو مستقل عنا، وقد وُجد قبلنا، وسيبقى بعد انتقالنا من هذه الحياة، وله مقامٌ عظيمٌ وخاصةً عند أهل العلوم الطبيعية لأنه موضوع علومهم، وتدور أبحاثهم على أسراره، وهم يبحثون عما حواه من المواد المتنوعة والقوانين والخواص والفوائد. واشتهر أهل هذا العصر بالبحث العلمي، فاكتشفوا أموراً كثيرة وفوائد واختراعات عظيمة. ويدفعنا هذا كله إلى أن نشكر الله. غير أن بعض الباحثين اليوم تجاوزوا حدودهم، وأسَّسوا فلسفة مادية على الحقائق الطبيعية، وحاولوا رفع شأن المادة وفوائدها وقوانينها وخواصها أكثر مما يجب، حتى حسبوها أصل الحياة ومركز الروحيات، ونسبوا إليها قوةً عقلية وحكمة سامية تمكنها من تدبير نفسها وإقامة ذاتها على حالتها الحاضرة. وقد أدَّت هذه الأقوال إلى إنكار كل علامات القصد في الكون، ونفي عناية الله بخليقته وحكمه الأخلاقي وحرية الإنسان ومسؤوليته، وإلى جعل الفكر والشعور والحس والميول والعواطف البشرية مجرد حركات مادية ناشئة عن الدماغ فقط، أو لأعضاء أُخرى من أجسادنا. وهذه عداوة شديدة ومقاومة للديانة، وللكتاب المقدس، ولشخص المسيح، ولخلود النفس والحياة الأبدية.

وهذه الفلسفة المادية واعتقاداتها الخاطئة قديمة العهد ولكنها بلا برهان، ينكرها العقل والضمير والوحي، وتؤذي صالحنا الروحي والأبدي لأنها تقتل كل حياة عقلية مستقلة عن المادة، وتبطل كل مسؤولية أخلاقية، وتكذّب شهادة الضمير، وهي تخالف معرفتنا بطبيعتنا الروحية والعقلية، ولذلك يجب أن نرفضها ونلجأ لكتاب الله لنجد الاستنارة الصحيحة الطاهرة.

إن نسبة خواص مادية لقوة عاقلة أنسب من نسبة خواص عقلية للمادة، لأن نسبة الفعل للعقل (خاصة عقل الله) أولى من نسبته للمادة التي لا تعقل.

8 - ما هو تعليم المسيحية بشأن تلك المذاهب الإلحادية؟

* تحكم المسيحية أن تلك المذاهب تناقض إعلانات الله، وأنها ناقصة جداً في نفسها. فالطبيعيون (العقليون) وإن أصابوا في إكرام العقل واحترامه، إلا أنهم أخطأوا في تعظيم شأنه، وإنكار العناية والوحي، ورفض الإعلانات الإلهية. والماديون وإن أصابوا في اعتقاد حقيقية المادة، أخطأوا في تعظيم شأنها وخواصها وإنكار ما للعقل والروح من السمو والشأن. والذين يقولون بعدم إمكان معرفة شيء من أمور الله وأمور الحياة الآتية، وإن أصابوا في أن وسائط المعرفة عندنا محدودة، أخطأوا بالقول إن معرفة هذه الأمور مستحيلة. فإن الله أعلن لنا كل ما نحتاج إليه للخلاص، وكل ما يجب أن نعرفه عن ذلك في هذه الحياة. والذين يتعبّدون للإنسانية ويجعلون كل اهتمامهم بخدمتها ورفع شأنها، وإن أصابوا في احترام مقام البشر بالنسبة إلى بقية المخلوقات، أخطأوا في جعل الإنسان موضوع العبادة واعتباره في مقام الله. والذين يتعبَّدون للحياة الدنيا فقط ويهملون الأبدية، وإن أصابوا في الاهتمام بهذه الحياة، أخطأوا في التركيز على جانب واحد، فأعطوا ما لقيصر لقيصر، ولم يعطوا ما لله لله، ونسوا علاقتهم بالحياة الآتية ومسؤوليتهم من نحو الله.

ويعتقد المسيحيون بوجود الله كما هو مُعلن في كتابه وأعماله، وبيسوع المسيح، وبالروح القدس، وبصحة الوحي، وأن المسيحية مُنزلة من عند الله لإرشاد البشر وخلاصهم، وأنها ستمتد وتغلب وتملأ العالم، وأن الخلاص هو بالمسيح وحده، وأن رأس الكنيسة وملك الكون هو المسيح. وتؤمن المسيحية بعمل العقل وتعمل على تقدّم العِلم، غير أنها تأبى الافتراضات غير المنطقية، وترفض الأقوال التي يتباهى بها معترضو عصرنا، ولا تخشى تقدُّم العلوم الطبيعية، لأن كل ما هو صحيح في الطبيعة يوافق ما أعلنه الله في كتابه، فإن الإصبع التي كوَّنت المخلوقات هي نفسها التي كتبت الإعلانات الإلهية.

9 - ما هي الآراء في وجود أكثر من إله؟

* هناك رأيان:

(1) الاعتقاد بوجود إلهين عظيمين متساويين.

(2) الاعتقاد بوجود آلهة كثيرة.

10 - ماذا قيل في الاعتقاد بوجود إلهين متساويين؟

* اشتهر هذا الرأي قديماً بين الأمم الشرقية، وقد بنوه على وجود الخير والشر في العالم، وما بينهما من النزاع المستمر. وقصدوا باعتقادهم هذا حل مسألة وجود الخير والشر معاً في العالم، لأنهم لم يريدوا أن ينسبوا الشر إلى الله، فقالوا بوجود أصلٍ للشر مستقل عن الله، هو المادة، وإن مصدر الخير هو الله. وقالوا بوجود إلهين عظيمين أزليين، أحدهما أصل الخير ودائرته الروحيات، والثاني أصل الشر ودائرته الماديات.

إذاً نشأ هذا الاعتقاد من صعوبة تعليل أصل الشر وإمكان وجوده في خليقةٍ تحت سلطان إلهٍ خيِّر. وقد أخطأوا في فهم ماهيَّة الشر، فنسبوه إلى غير أصله الحقيقي. ولما كانت المادة أبعد المخلوقات عن روحانية الله، قالوا إنها هي أصل الشر ومركزه وإنها قائمة بنفسها ومستقلة عن الله منذ الأزل، بحيث أن الله منزَّه عن المشاركة في خلقها. ويتضح فساد هذا التعليل إذا نظرنا إلى ماهية الشر الأخلاقي، فهو عدم اتفاق طبيعة البشر الأخلاقية مع طبيعة الله، ومخالفتها للشريعة الأخلاقية. فكل مخلوق عاقل مسؤول قد ينشئ الشر. فليس للشر علاقة سببية بالمادة، ونسبة الشر إلى المادة خطأ. وأما كيفية صدور الشر أولاً من طبيعة أخلاقية مقدسة فمن المسائل التي لا نملك لها تفسيراً، غير أننا رأينا ذلك أولاً بين الملائكة في السماء، ثم في أبوينا الأولين في جنة عدن، ولذلك نسلّم بإمكان حدوثه. ودخل شيء من هذا المذهب في العصر المسيحي الأول في اعتقاد الغنوسيين والمانويين (أتباع الفيلسوف ماني). وكان اعتقاد الفرس القدماء من هذا النوع أيضاً لأن زرواستر (زرادشت) معلّمهم العظيم قال بوجود إلهين، اسم أحدهما «أرومازد» وهو إله الخير والآخر «أهرمان» وهو إله الشر.

11 - كيف نشأ الاعتقاد بوجود آلهة كثيرة؟

* الاعتقاد بوحدانية الله هو الاعتقاد الأصلي للبشر. ولما حادوا عن ذلك مالوا لعبادة الخليقة، وكان احترامهم لعناصر الطبيعة (بسبب ما اختبروه من قواتها وفوائدها) يزيد بسبب نقص معرفتهم بالله الخالق، فتطرفوا وعبدوا الشمس والقمر والنجوم، بل النار والهواء والماء. ثم شخصوا تلك القوى الطبيعية وألّهوها، وهكذا انتشر بينهم الاعتقاد بآلهة كثيرة. غير أنه بقي من العلماء من يعتقد بوحدانية الله، على أنهم تصوّروه على أنواع مختلفة. وكانت صفات آلهة كل قوم تشابه صفاتهم، فاليونانيون ألَّهوا كل ما هو جميل المنظر وموافق للشهوات الجسدية، والرومان ألَّهوا ما هو أشد بأساً واقتداراً، والقبائل البربرية ألَّهت أبسط الأشياء وأدناها. ومثَّل جميع هؤلاء آلهتهم بأصنام مادية صنعوها بأيديهم، وملأوا العالم بتماثيل من الذهب والفضة والخشب والخزف وأشكالها، فجعلوا الله يشبه صورة الإنسان، بل يشبه ما هو أدنى المخلوقات (رو 1: 23).

وعبَّر الكتاب المقدس عن آلهة الوثنيين بالعَدم والباطل، وأنها وهمية لا تنفع ولا تضرّ (إش 41: 29، 42: 17، ومز 106: 28). وسماها الرسول بولس شياطين (1كو 10: 20). غير أن هذا الاسم لا يدل على وجودها، كما أن تسميتها لا تدل على ذلك. ويدل امتداد الديانة الوثنية وقوتها على شدة ميل الطبيعة البشرية إليها. أما خطؤها فيتضح من بيان التعليم الصحيح عن الله.

12 - ما هو مذهب ألوهية الكون (أو وحدة الوجود)؟

* هو أن الكون هو الله، والله هو الكون، ويقولون:

(1) لا يوجد إلا جوهر واحد. وأصحاب هذا المذهب لا يفرّقون بين المادة والعقل والجسد، ولا يميّزون بين الله والكون، وبين المحدود وغير المحدود.

(2) الكون أزلي، أي أن الله والكون جوهر واحدٌ فلم يوجد الله قبل الكون.

(3) لا خلق مطلقاً، وما ينشأ من وقتٍ لآخر هو ظهور الطبيعة في تغيُّراتها وتقلّباتها.

(4) ليس لله في ذاته عقل ولا شعور ولا مشيئة، لأن هذه الصفات تختص بالمحدود لا بغير المحدود، وكل ما لله منها ناشئ عن علاقته بالعالم.

(5) الله ليس ذاتاً، لأن الذاتية تدل على التمييز بين الذات وما هو خارج عنها. وهم يرفضون ذلك.

(6) ليس للإنسان وجود خاص، بل هو لحظة من حياة الله، أو موجة واحدة من بحر الكائنات، أو ورقة واحدة من شجرة الموجودات، تسقط وتفنى ثم تأتي أخرى بعدها، وهكذا دوراً بعد آخر للأبد.

(7) تنتهي شخصية كل إنسان عند موت جسده لأن تمييز الأشخاص متوقف عندهم على وجودهم في أجساد متميّزة، ولذلك لا يشعر الإنسان بشيء بعد موته إذ يُبتلع في الجوهر الواحد المطلق. فأعظم سعادة للإنسان بعد الموت هي أنه يُبتلع في الله، كالموجة التي تظهر قليلاً ثم تزول.

(8) ليس للإنسان إرادة، وأعمال الإنسان هي أعمال الله، لأن حياته حياة الله. وأعمال الله إجبارية، أي لا اختيار للفعل والترك فيها، فأعمال الإنسان كذلك. ولو صدق رأيهم لكان تاريخ العالم هو تاريخ حياة الله! وأن كل ما حدث نشأ عن أمور طبيعية كنمو الشجرة وامتداد أغصانها وخروج أثمارها، وأنه لا يمكن للإنسان أن يخطئ، لأنه ليس فرق بين الحلال والحرام. وبما أن الإنسان هو الله فكل أعماله أعمال الله. إذاً ما يُسمى شراً هو خير غير تام، لأن بعض الناس بالغون أكثر من غيرهم في الكمال، كما أن بعض الأشجار أطول وأجمل من غيرها، وبعض الأثمار أكمل وألذّ من بعضها. وكل ما ظهر في النبات أو في الإنسان هو ظهور حياة الله، لأن الله هو هو، سواء ظهر في نبوخذنصَّر أم في يوحنا الرسول، كما أن الماء هو ماء، سواء كان عكراً أو صافياً.

(9) جعل أصحاب هذا المذهب أنفسهم بمنزلة الله، فحرروا أنفسهم من المسؤولية، إلا لأنفسهم. غير أن الذين عندهم معرفة المسيح ميّزوه بالإكرام، لأن الفرق عندهم بين المسيح وغيره من البشر هو أن المسيح يملك من طبيعة اللاهوت أكثر منهم، لأن البشر كلهم هم حلول الله في الجسد. ولذلك خالفوا كل المسيحيين بتخصيصهم المسيح بتجسُّد اللاهوت.

(10) نسب أصحاب هذا المذهب فعل الشر إلى الله.

13 - اذكر الشعوب التي انتشر بينها مذهب ألوهية الكون (أو وحدة الوجود).

* اشتهر هذا المذهب بين الهنود القدماء، غير أنهم مالوا لتكثير الآلهة لما لا يُحصى، وأيضاً بين المصريين القدماء، ثم بين اليونانيين القدماء حتى عصر سقراط وأفلاطون وأرسطو حين ضعفت مبادئه بسبب تعاليمهم، ثم شاعت في الإسكندرية بواسطة الغنوسيين وأصحاب الفلسفة الأفلاطونية الجديدة، واستمرت بينهم عدة قرون، ثم ظهرت في ألمانيا في القرن السابع عشر في عصر الفيلسوف الملحد سبينوزا وبواسطته، وكان من تابعيه فُخْتَه وشلنج وهيجل.

14 - ما هو الرد على الاعتقاد بألوهية الكون (أو وحدة الوجود)؟

* (1) إنه محض افتراض بشري لتعليل ما يُرى في العالم، ولا برهان عليه، ولا يعلل شيئاً تعليلاً صحيحاً كافياً، وهو لا يضاد الكتاب من جهة الله وأوليات طبيعتنا ومبادئ الديانة والأخلاق التي غرسها الله فينا، بل يجعل الخطية من أعمال الله.

(2) إنه يضاد العقل البشري في: (أ) نحن نعلم يقيناً أننا ذوو مشيئة مستقلة. ولكن بموجب ذلك الاعتقاد تكون أعمال البشر نوعاً من أعمال الله ومستقلة عن إرادتنا الشخصية. (ب) إنكار التمييز بين الحلال والحرام وعدم المسؤولية على ارتكاب المحرَّم، مع أن هذا التمييز غريزي في طبيعة الإنسان الأخلاقية لا يمكن نزعه منها بدون نزع تلك الطبيعة، وهو عند أهل هذا الاعتقاد خرافة، لأن ما نسمّيه حراماً يسمّونه عدم نضوج فقط، فلا يكون الإنسان عندهم مجرماً أكثر مما يكون الطفل مجرماً في ضعفه أو عدم نضوجه. وهو يجعل الشر خيراً لأنه يجعل أعمال الناس الشريرة وشهواتهم القبيحة أعمالاً وإحساسات إلهية. فحيثما وُجد هذا التعليم وُجِّهت الكرامة للشرور كتوجيهها للفضائل.

(3) يجعل هذا الاعتقاد العبادة الوثنية مستباحة، لأنه ينفي ذاتية الله وعقله وشعوره بنفسه وفضائله. ولا يمكن للعقل أن يعبد إلهاً بهذه الصفة، لأن ذلك يكون كعبادة الحركة أو الجاذبية أو قوة من قوى الطبيعة.

(4) ينفي كل المبادئ الأخلاقية وكل الصفات الإلهية، ويتركنا بدون شريعة نلتزم بطاعتها، وبدون إله نلتزم بإكرامه وعبادته. فيخالف شهادة الضمير، بل يلاشي الضمير.

(5) ينفي خلود الإنسان، لأن البشر عندهم تجليات وقتية للكون العام ثم يضمحلون. مع أننا نعلم أن نفوسنا لا تفنى، وأن لنا وجوداً خاصاً مستقلاً ومشيئة حرة، وأننا متعلقون بكائن أقوى منا يعرفنا ويعرف أعمالنا، وسيكافئنا أو يعاقبنا حسب استحقاقنا. فكل نفس مستنيرة بمعرفة الإله الحي الحقيقي تعتبر تعليم ألوهية الكون (وحدة الوجود) محالاً، وهو مرفوض بشهادة الكتاب المقدس.

الفصل التالي    الفصل السابق


علم اللاهوت النظامي

كتب أخرى

الرد على الإسلام